أبي بكر الكاشاني

216

بدائع الصنائع

بعتك الدنانير التي لي عليك بالدراهم التي لك على وقال قبلت فهو باطل لان حقوق العقد لا تتعلق بالرسول بل بالمرسل وهما مفترقان بأبدانهما وكذلك لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار أو ناداه من بعيد لم يجز لأنهما مفترقان بأبدانهما عند العقد بخلاف البيع المطلق إذا ارسل رسولا إلى إنسان فقال بعت عبدي الذي في مكان كذا منك بكذا فقبل ذلك الرجل فالبيع جائز لان التقابض في البيع المطلق ليس بشرط لصحة العقد ولا يكون الافتراق مفسدا له ثم المعتبر افتراق المتعاقدين سواء كانا مالكين أو نائبين عنهما كالأب والوصي والوكيل لان القبض من حقوق العقد وحقوق العقد تتعلق بالعاقدين فيعتبر افتراقهما ثم إنما يعتبر التفرق بالأبدان في موضع يمكن اعتباره فإن لم يمكن اعتباره يعتبر المجلس دون التفرق بالأبدان بان قال الأب اشهدوا انى اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم ثم قام قبل أن يزن العشرة فهو باطل كذا روى عن محمد لان الأب هو العاقد فلا يمكن اعتبار التفرق بالأبدان فيعتبر المجلس والله سبحانه وتعالى أعلم ثم بيع الجنس بالجنس وبخلاف الجنس كالذهب بالفضة سواء لا يختلفان في حكم القبض لان كل ذلك صرف فيشترط فيه التقابض وإنما يختلفان في جوز التفاضل وعدمه فلا يجوز التفاضل عند اتحاد الجنس ويجوز عند الاختلاف ولكن يجب التقابض اتحد الجنس أو اختلف لما ذكرنا من الدلائل ولو تصارفا ذهبا بذهب أو فضة بفضة مثلا بمثل وتقابضا وتفرقا ثم زاد أحدهما صاحبه شيئا أو حط عنه شيئا وقبل الآخر فسد البيع عند أبي حنيفة وأبى يوسف الزيادة والحط باطلان والعقد الأول صحيح وعند محمد الزيادة باطلة والحط جائز بمنزلة الهبة المستقبلة واختلافهم في هذه المسألة فرع اختلافهم في أصل ذكرناه فيما تقدم وهو أن الشرط الفاسد المتأخر عن العقد في الذكر إذا الحق به هل يلتحق به أم لا فمن أصل أبي حنيفة فيه أنه يلتحق بأصل العقد ويفسد العقد والزيادة والحط يلتحقان بأصل العقد على أصل أصحابنا كان العقد ورد على المزيد عليه والزيادة جميعا فيتحقق التفاضل والجنس متحد فيتحقق الربا فكانت الزيادة والحط بمنزلة شرط فاسد ملتحق بالعقد فيتأخر عنه فيلتحق به ويوجب فساده ومن أصل أبى يوسف ومحمد أن الشرط الفاسد المتأخر عن العقد لا يلتحق بالعقد فطرد أبو يوسف هذا الأصل وقال تبطل الزيادة والحط جميعا ويبقى البيع الأول صحيحا ومحمد فرق بين الزيادة والحط وقال الزيادة باطلة والحط جائز لان الزيادة لو صحت لالتحقت بأصل العقد فيوجب فساده فبطلت الزيادة وليس من شرط صحة الحط ان يلتحق بالعقد الا ترى أنه لو حط جميع الثمن صح ولا يلتحق إذ لو التحق لكان البيع واقعا بلا ثمن فيجعل حطا للحال بمنزلة هبة مستأنفة ولو تبايعا الجنس بخلاف الجنس بان تصارفا دينارا بعشرة دراهم ثم زاد أحدهما صاحبه درهما وقبل الآخر أو حط عنه درهما من الدينار جازت الزيادة والحط بالاجماع لان المانع من الجواز والالتحاق تحقق الربا واختلاف الجنس يمنع تحقق الربا الا أن في الزيادة يشترط قبضها قبل الافتراق حتى لو افترقا قبل القبض بطل البيع في حصة الزيادة لان الزيادة لما التحقت بأصل العقد صار كان العقد ورد على الزيادة والأصل جميعا الا أنه جاز التفاضل لاختلاف الجنس فإذا لم يقبض الزيادة قبل الافتراق بطل العقد بقدرها ( وأما ) الحط فجائز سواء كان قبل التفرق أو بعده لان الحط وإن كان يلتحق بأصل العقد فيؤدى إلى التفاضل لكن التفاضل عند اختلاف الجنس جائز ولا زيادة ههنا حتى يشترط قبضها فصح الحط ووجب عليه رد المحطوط لان الحط لما التحق بأصل العقد تبين أن العقد لم يقع على قدر المحطوط من الابتداء فيجب رده ولو حط مشترى الدينار قيراطا منه فبائع الدينار يكون شريكا له في الدينار لأنه تبين أن العقد وقع على ما سوى القيراط ولو اشترى سيفا محلى بفضة وحليته خمسون درهما بمائة درهم وتقابضا ثم زاده دينارا في الثمن دفعه إليه قبل أن يفارقه أو بعد ما فارقه يجوز كذا روى عن محمد وتصرف الزيادة إلى النصل والجفن والحمائل لأنها تلحق بأصل العقد فصار كان العقد ورد على الأصل والزيادة جميعا ولو كان كذلك لكان الامر على ما وصفنا كذا هذا بخلاف بيع المرابحة فإنه يقسم على جميع الثمن لما نذكر في مسائل المرابحة وسواء كان دينا بدين وهو الدراهم والدنانير أو عينا بعين وهو التبر والمصوغ أو دينا بعين وهو الدرهم والدنانير بالتبر والمصوغ لان ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بين الدين والعين